ابن عجيبة
392
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم ذكر ضدهم بقوله : إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا ؛ القرآن الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً ؛ سجدوا للّه ؛ تواضعا وخشوعا ، وشكروا على ما رزقهم من الإسلام ، وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ أي : نزّهوا اللّه عما لا يليق به ، وأثنوا عليه ؛ حامدين له ، وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ عن الإيمان والسجود له . جعلنا اللّه منهم بمنّه ، آمين . الإشارة : أهل الفرق من أهل الحجاب ، يتوفاهم ملك الموت ، وأهل الجمع مع اللّه من أهل العيان ؛ يتولى قبض أرواحهم ذو الجلال الإكرام ؛ كما قيل في الأخفياء من الأولياء ؛ الذين اختص اللّه تعالى بعلمهم - أنه يتولى قبض أرواحهم بيده ، فتطيب أجسادهم به ، فلا يعدوا عليها الثرى ، حتى يبعثوا بها ، مشرقة بنور البقاء المجعول فيهم ، بالرجوع إليه من الفناء ، فيكون بقلوبهم بقاء الأبد مع الباقي الأحد عز وجل . وقد ورد في الخبر : « من واظب على قراءة آية الكرسي ، دبر كل صلاة ، كان الذي يتولى قبض روحه ذو الجلال الإكرام » . يعنى : من تدبر معناها . والمراد بذلك خطفتها بالتجلي ، واستغراقها في الشهود ، وغيبتها عن الغير في ذلك الوقت الهائل ، فيغيب عن الواسطة في شهود الموسوط ، مع وجود الواسطة ؛ لعموم الآية . واللّه تعالى أعلم . قال القشيري : لولا غفلة القلوب لما أحال قبض أرواحهم على ملك الموت ؛ لأنّ ملك الموت لا أثر منه في أحد ، وما يحصل في التوفّى فمن خصائص قدرة الحق ، ولكنهم غفلوا عن شهود حقائق الربّ ، فخاطبهم على قدر أفهامهم ، وعلّق بالأغيار قلوبهم . وكلّ يخاطبه بما يحتمل على قدر قوته وضعفه . ه . وقال في قوله : وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ . . الآية : ملكتهم الدهشة وغلبتهم الحجة ، فاعترفوا ، حين لا عذر ، واعترفوا ، حين لا اعتراف . ه . قوله تعالى : وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها . . . قال القشيري : لو شاء سهّل سبيل الاستدلال ، وأدام التوفيق لكلّ أحد ، ولكن تعلّقت المشيئة بإغواء قوم ، وأردنا أن يكون للنار قطان ، كما يكون للجنة سكان ، لما علمنا يوم خلقناهما أنه ينزلهما قوم وقوم . فمن المحال أن نريد ارتفاع معلومنا ، إذ لو لم يقع ، ولم يحصل ؛ لم يكن علما . فإذا لا أكون إلها . ومن المحال أن أريد ذلك . ويقال : من يتسلّط عليه من يحبه ؛ لم يجد في ملكه ما يكرهه . يا مسكين أفنيت عمرك في النكد والعناء ، وأمضيت أيامك في الجهد والرجاء ، غيّرت صفتك ، وأكثرت مجاهدتك ، فما تفعل فيما مضى ، كيف تبدله ؟ وما تصنع في مشيئتى ، وبأي وسع تردّها ؟ وأنشدوا : شكا إليك ما وجد * من خانه فيك الجلد حيران ، لو شئت ، اهتدى * ظمآن ، لو شئت ، ورد . « 1 » . ه .
--> ( 1 ) البيتان لأبى هبة اللّه بن المنجم ، كما في يتيمة الدهر ( 3 / 389 ) .